يقول الطارق : إن كان للحرية ثمن فهو....الحرية: September 2005

Wednesday, September 28, 2005

نقد الديموقراطية المعاصرة - إدريس ولد القابلة

من المعروف أن الفكر الديمقراطي نشأ في عصر سابق للفترة التي نشأت فيها الإيديولوجيات الأوروبية من قومية ورأسمالية وليبرالية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. علما أن مصطلح "الديمقراطية" استخدم لدى فلاسفة اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد للتعبير عن نظام يمنح الشعب حق حكم نفسه وتقرير مصيره. ويعتبر المؤرخون بأن ظهور هذه الفكرة يمثل ردة فعل للأنظمة السائدة في ذلك العصر والتي تقوم على نفوذ النبلاء و الأرستقراطية وتسلط الأقلية الأوليغارشية و الحكم الفردي.و يفترض في الديمقراطية أن الشعوب لا تحتاج إلى وصاية أقلية للقيام بأمرها، ولا بد - لتبني هذا الافتراض - من الثقة المطلقة بقدرة الشعوب على القيام بأمر الحكم وتحقيق المصلحة المشتركة، وتجنب الإضرار ببعضهم البعض، وأن أفراد الشعب متساوون في حقوقهم السياسية ولكل واحد منهم حق المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار وصياغة السياسات التي تحقق الأمن والرخاء للمجتمع. و حظيت الديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر باهتمام فئة من مثقفي الطبقة الوسطى، الذين أرادوا تحدي سلطة الملكية والكنيسة بشرعية الشعب. ويشير المؤرخ البريطاني "ريتشارد جاي" إلا أن المنتمين إلى هذه الطبقة كانوا يسعون في الحقيقة إلى حماية ثرواتهم من تسلط الملكية وطمع الطبقة الفقيرة على السواء. ولذلك فقد اعتبرت "سلطة الشعب" سلاحاً استخدمه الأوروبيون في صراعهم الطبقي المرير، ووسيلة لاستبدال نظام مندثر بآخر يمكن لفئة جديدة من ممارسة السلطة بشرعية جديدة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجماهير. ونتج عن ذلك صورة جديدة لديمقراطية معاصرة تتغاير في أصولها مع الديمقراطية اليونانية. ويمكن تلخيص أبرز محاور هذا التباين في النقاط التالية: الوصاية على الشعب و التمثيل و الحزبية و الأكثرية و بخصوص الوصاية على الشعب، لم يكن لدى السياسيين في الحقيقة ثقة بقدرة الجماهير على حكم أنفسهم، فقد كانت الأكثرية من العمال والفلاحين تعيش في جهل وفقر مدقع تحت وطأة الأرستقراطية التي تحتكر السلطة السياسية، وقد قال "جيمس ميل" : " يصعب تحميل هذه الطبقة من الجهلة، عديمي المسؤولية، والعاجزين عن تطوير أنفسهم فكرياً، مهمة الحكم المباشر". ولذلك فقد تم استحداث آلية برلمانية للموازنة بين سلطة الأرستقراطية في مجلس اللوردات وسلطة الشعب في مجلس العموم، واعتبار الملكية وصياً على هذا النظام الذي يتناقض في أصله مع النظرية اليونانية والتي تنص على ضرورة الثقة الكاملة بإمكانية حكم الجماهير أنفسهم. وقد استمر الجدال لفترة طويلة بين السياسيين الأوروبيين حول خطورة توسيع سلطة الشعب، والفوضى التي يمكن أن تنتج من جراء ذلك، وفي هذا المجال صرح السياسي البارز راندولف تشرشل، والد ونستون تشرشل، في الثمانينيات من القرن التاسع عشر: "إنني أثق بالشعب... ولا أخشى من الديمقراطية... فديمقراطية المحافظين تؤمن بأن الملكية - الوراثية - ومجلس اللوردات- الوراثي - هي أقوى الحصون التي شيدتها البشرية على مر العصور لحماية الحريات الديمقراطية، والتي تخضع وتدين بالولاء للمؤسسة الكنسية. و في البداية كان الاقتراع محصوراً على عدد محدود من الذكور ولم يسمح لطبقة العمال والنساء والأقليات بالتصويت إلا في مرحلة متقدمة من القرن العشرين. و بالتالي يمكن القول بأن الممارسة الديمقراطية المعاصرة لا تزال تخدم فئة محدودة من السياسيين الذين يغلب عليهم الحذر الشديد من مغبة التوغل في مفهوم حكم الشعب المباشر. وبخصوص التمثيل، جادل المفكرون الغربيون حول الحكم المباشر للشعب واعتبروه أمرا يستحيل تحقيقه لأن مشاركة أعداد كبيرة من الجماهير في جميع الأمور سيخلق جوا من الفوضى السياسية التي تودي بالمجتمع إلى الهاوية. ولذلك فقد كان البديل هو استبدال حكم الشعب بحق اختيار الشعب لمن يحكمهم ويعتبر هذا التنازل هو المنعطف الرئيسي الذي عرقل مسيرة تحقيق الديمقراطية بأصولها. ولا يزال هناك مفكرون غربيون ينادون بضرورة تطوير آليات الحكم المباشر للشعب بدلا من تطوير آليات وسبل تمثيل الشعب. ويمكن القول بأن الديمقراطية المعاصرة قد حجبت عن الشعب حق الحكم ومنحته حق اختيار الحاكم لكن شتان بين الأمرين. وتكمن الإشكالية في مبدأ التمثيل بأن المجالس النيابية في صورتها الحالية لا تمثل التركيبة الاجتماعية للمنتخبين ولا تعبر عن أفكارهم. وثمة مشكلة أخرى في مسألة التمثيل تتلخص في كون أغلب المفكرين الغربيين يجادلون بأن عضو المجلس هو في الحقيقة مفوض وليس ممثلاً لمنتخبيه، أي أن انتخابه يعكس ثقة الجماهير بكفاءته وقدرته على تمثيل مصالحهم في البرلمان، لا لأن يكون مجرد صدى لآرائهم وأفكارهم. بل إن الجهة الوحيدة التي يجب أن يمثلها عضو المجلس هي الحزب الذي ينتمي إليه وليس منتخبيه. و بهذه الصورة تكون قد انقرضت آخر معالم الديمقراطية التي بدأت بحكم الشعب، وتنازلت إلى اختيار الشعب من يمثله في الحكم، ثم تطورت بعد ذلك إلى اعتبار الشخص المنتخب ممثلاً للحزب بتفويض من الجماهير. و بخصوص الحزبية، يرى كل من "جان جاك روسو" و "جيمس ميل" أن الأحزاب تمثل وسيطاً سلبياً بين الشعب وآلية الحكم، مما يجعلها عائقاً لمباشرة الجماهير أمور حياتهم، والتعبير عن أنفسهم. فالجماهير في الديمقراطية البريطانية على سبيل المثال لا تختار أعضاء المجلس والحكومة التي تمثلهم، وإنما ينتخبون الحزب الذي يحكم رئيسه حسب ما يقتضيه برنامج الحزب وبحكم تصوره للمصلحة العامة دون وجود أي مرجعية للشعب. إن الأغلبية من المنتخبين لا يحصلون أثناء الحملة الانتخابية إلا على الوعود، ثم تسود فترة طويلة من احتكار الحزب لآلية اتخاذ القرار. و هذا ما نعته اللورد هيلشام عصر الدكتاتورية المنتخبة. وإذا أخذنا في الاعتبار بأن عدد المهتمين بالنشاط الحزبي في بريطانيا لا يتجاوز نسبة 5 في المائة فقط ، فإن الأغلبية المستقلة لا تجد من يمثلها في هذا النظام.و بخصوص الأغلبية أو الأكثرية يرى البعض بأن ارتباط الأغلبية بالممارسة الديمقراطية أمر شديد الخطورة باعتبار أن الديمقراطية في حقيقتها تسعى إلى حكم الشعب وليس حكم الأكثرية. فقد ارتبطت الأغلبية بالديمقراطية ارتباطاً وثيقاً وصارت الشرعية تستمد من الأكثرية. وتكمن الخطورة في هذه الصورة الجديدة من الشرعية في وقوع استبدال تسلط الأقلية (في الأنظمة القديمة) باستبداد الأكثرية في الممارسة الديمقراطية الحديثة. فقد مكنت آلية الاحتكام للأغلبية إلى استفادة فئة من المجتمع على حساب المجموعات الأضعف من الأقليات العرقية والنساء وطبقة الفقراء. ومع مرور الوقت تزداد قوة الفئة المتحكمة، وتحتكر المزيد من السلطات على حساب الفئات الأخرى التي لا تتمكن من مباشرة الحكم بنفسها ولا تجد من يمثلها في هذا النظام. لكن هل يعني تأييد الغالبية لرأي معين بأنه رأي صحيح و سديد و ليس خاطئًا؟ و أليس من الخطأ افتراض أن الأقلية دائماً على خطأ أو على باطل؟ و الواقع أن الأغلبية تصوت لتحقيق المصالح الخاصة وليس لتحقيق المصلحة العامة ورفاهية المجتمع. وكثير ما لاحظ مؤرخو الغرب أن الشعوب تؤيد من يحقق مصلحة غالبية أفرادها ولو كان ذلك على حساب الأقلية أو على حساب الحرية أو الديمقراطية نفسها. و لعل أحسن مثال في هذا الصدد تأييد أغلبية المجتمع الألماني لأدولف هتلر في أواخر الثلاثينيات هو إجماع على باطل لأنه كان ضد الأقلية من اليهود! و هذا علاوة على أن أن أنظمة الانتخابات لا تفرز حكومات مدعومة بأغلبية الشعب.ثم تأتي بعد ذلك لعبة توزيع مراكز الاقتراع، بحيث تتفاوت قيمة الأصوات. وسبب ذلك هو الخلل في آلية التصويت، فمحور الديمقراطية هو المساواة السياسية بين أفراد المجتمع، ولكن الواقع هو أنه قد يفوق صوت شخص واحد عشرات الأصوات في مكان آخر. فهناك من النواب من انتخبوا بأصوات قليلة جدا غير كافية حتى بجعل المواطن يشعر بالطمأنينة و الارتياح المعنوي.ومن المعروف أن الديمقراطية استخدمت بديلاً إيديولوجيا للشيوعية و الماركسية، وأصبحت في قاموس المصطلحات السياسية رديفاً للحرية، وتحرير البشرية، واحترام حقوق الإنسان، وصيانة ملكية الفرد. و إذا كانت فالديمقراطية والرأسمالية على السواء تدعوان إلى محدودية دور السلطة في حياة الشعب، فالحقيقة في الغرب هي أن السلطات السياسية في الغرب كانت كلما وسعت دائرة الناخبين لتشمل النساء والشباب والأقليات كانت في المقابل تحدد من سلطة الشعب، ويعترف الكثير من أعضاء مجلس العموم اليوم بأنهم لا يملكون أي سيطرة على آلية اتخاذ القرار لأن زمامها أصبحت في يد قيادة الحزب بالتحالف مع الشركات العملاقة وأجهزة الاستخبارات السرية وإمبراطوريات الصحافة. و هناك تحول آخر عرفه العالم و هو تحول الديمقراطية إلى نظام يفرض على حكومات وشعوب العالم الثالث، وارتباط المساعدات الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية بتبني النظام الديمقراطي. بل واحتلال بعض الدول وفرض الوصاية عليها حتى تحقق المزيد من التطور الديمقراطي. والملاحظ في هذه الصورة المشوهة هو أن الديمقراطية لا تعني سوى الانتخابات الشكلية، دون الاكتراث بنظام الحكم إن كان ملكيا وراثياً أو دكتاتورياً عسكرياً أو حكم عصابة من تجار المخدرات، ودون الاهتمام برأي الجماهير في تلك الدول إذا كانت معادية للغرب لأنها شعوب، في نظر الغرب، جاهلة، غير واعية، وغير قادرة على تحمل المسؤولية كما سبق و أن وصفها "جيمس ميل". ويبدو الآن أن هذه الصورة عن الديمقراطية هي المهيمنة لقد بل أصبحت الإيديولوجية التي يجب أن تسود العالم، والنظام الأوحد الذي تسير البشرية في ركابه. وبالتالي أضحت الديمقراطية في عصرنا الحالي تعني الوصاية على الشعوب غير الواعية و مركزة و تركيز الحكم بسبب تعقد الحياة و فرض هذا النظام على جميع الشعوب لأنه يحقق الحياة الأمثل للبشرية.0
منقول من موقع ناشري :http://www.nashiri.net/

Wednesday, September 14, 2005




وجهة نظر في تصنيف التاريخ



هذه المقالة الثانية التي أتناول فيها موضوع ( التاريخ ) ، وذلك لأهمية التاريخ في عملية فهم الواقع واستشراف المستقبل ، ولقد توافق ذلك مع وقوفي على تصنيف جميل للتاريخ يذكره المؤرخ الفرنسي المشهور ( فرديناند بروديل ) حيث يقول هذا المؤرخ : أن التاريخ ينقسم إلى قسمين ( تاريخ حدثي ) و ( تاريخ لا حدثي ) .0

ويتلخص شرح هذا التصنيف في أن المقصود بـ(التاريخ الحدثي ) هو التسلسل اليومي للأحداث وتتابعها بإيقاع سريع ، وهذا التتابع ناتج عن التفاعل المركب بين جزئي التاريخ ( الحركة و الزمن ) ، وبالمقابل يكون ( التاريخ اللا حدثي ) وهو الناتج عن مثل ذلك التفاعل بين جزئي التاريخ ولكن من منظور عام شامل في صورة عامة تضم كل تلك المشاهد الحاصلة في (التاريخ الحدثي ) وضمن إيقاع بطيء وعميق غير ظاهر للوهلة الأولى . 0

و بمثال يوضح ما تقدم ، نعرض لحالة طبيعية اجتماعية يمر بها أغلب البشر نسقط عليها ذلك الشرح وهي ( الزواج ) ، فالزواج يعتبر ضمن إطار ذلك التصنيف للتاريخ ( تاريخ حدثي) ففي الأيام القليلة السابقة للزواج وربما لأيام أقل بعده ، تكون التجهيزات والاستعدادات لذلك اليوم متسارعة تحوي الكثير من الترتيبات والخطط والمواقف والمشاهد وتتفاعل فيها الحركة مع الزمن لتشكل هذا النوع من التاريخ الذي ما أن يكتمل ذلك المشهد الجزئي حتى تبدأ تفاصيله تتساقط من ذاكرة الحدث . 0

ثم لننظر إلى صورة المثال السابق إذا ما وضع في الجزء الثاني من تصنيف التاريخ وهو ( التاريخ اللا حدثي ) سنجد أن الزواج في إطار حياة ذلك الإنسان حلقة واحدة ضمن سلسلة من حلقات تلك الحياة ، وليس ذلك إلا لوضعنا تلك الحلقة ضمن إطار عام شامل متباطئ الإيقاع وبتمعن وتعمق في النظرة . 0

لعل التفصيل في هذا التصنيف يعتبر لدى البعض ، نوع من التلاعب اللفظي الذي يؤدي إلى نفس المحصلة في النهاية ، لربما يعذر ذلك البعض في هذه النظرة ولربما يكونوا على حق وأنا من يحتاج لأن يعتذر له لمناقشتي لهذا التصنيف ، لكن ليسمح لي من يخالفني في أن أبين سبب إيراد هذه التصنيف ومناقشته ، لأقول : إن تقسيم النظر للأحداث بهذه الطريقة يجعلنا لا نتوقف كثيرا ولا نندهش لوقوع الأحداث مهما كانت كبيرة ومزلزلة ، ولنكون أكثر قدرة على صرف أذهاننا للنظر العميق المدقق ، مما يساعدنا على البعد عن جو تأثير الحدث وما يصاحبه من ضبابية تمزج المعطيات والبراهين مع العواطف الإنسانية مما يساهم ويزيد من قصور العقل في إدراك أبعاد الأحداث وتداعياتها ، وأظن أننا في هذا الزمن المتسارع وفي خضم هذه الأحداث المتتابعة أحوج ما نكون لذلك التصنيف
.0


Wednesday, September 07, 2005




التخصص بين مدرستين



التخصص وأعني به الاهتمام في مجال من المجالات وتركيز البحث فيه والنظر ، ولقد ظهر التخصص بأوضح صورة في أواسط القرن التاسع عشر ، انسياقا مع الثورة العلمية في تلك الفترة ، ولكن على حساب أي شيء ظهر التخصص ؟! لقد ظهر التخصص ليحل محل النظر الشمولي للعلم ، فلقد اعتبر البشر منذ آلاف السنين أن العلوم هي وحدة واحدة وأجزاء مكملة لبعضها البعض لا تنفك ولا تنفصل . 0
0
للنظرتين السابقتين ما يبررهما ، فالنظرة الأولى ( التخصص ) ترى أن تركيز النظر أمر ضروري بل أمر لا يمكن تجاوزه وذلك لأن العلوم توسعت توسعا تضاعف مرات عديدة فأصبحت العلوم تلد العلوم وفي كل علم علوم وهذه الأفرع نبتت لها أفرع أيضا ، فقال أصحاب هذه النظرة ( التخصصية )إذا كان العلم الأصلي غير ممكن الإحاطة به أو يصعب ، فكيف بأجزائه وأجزاء أجزائه .0

أما نظرة الـ (الشموليين) فمبنية على أن انفصال العلوم عن بعضها وتجزئته (تفتيتها ) أدى إلى فوضى العلم الذي نرى نتائجه الآن ، وأثر ذلك على المجتمع والبيئة والكون ، فانفصال علم الكيمياء عن علم النبات مثلا واضح جلي أثره في تدمير البيئة ، وعلم الهندسة الوراثية وانفصاله عن علم الاجتماع جليّ أثره في تفكك المجتمع وانحلاله ، وهكذا .0

بالطبع للفريقين ردٌ على الآخر ، ولكل منهم حجته المعتبرة ، ولو أن رأيي المتواضع يميل لأن ننظر للعلم على أنه وحدة واحدة لا انفكاك ولا انفصال لأجزائه عن بعض ، وللموضوع أبعاد ووجهات نظر متعددة ومختلفة ، ولكنني أحببت الإشارة وللقول : أن الناس مازالوا مختلفين ولذلك خلقوا ، وهذا من متع الحياة .
0
ملاحظة : الصورة أعلاه لا تعبر بالضرورة عن الخلاف الحاصل بين الطرفين .0